صديق الحسيني القنوجي البخاري
299
فتح البيان في مقاصد القرآن
وإيثار ( ما ) على ( من ) لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزل عن الألوهية رأسا ببيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا ، وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح ، وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية والإلهية حيث لا يستطيع ضرا ولا نفعا ، وصفة الرب والإله أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته ، وهذا في حق عيسى النبي ، فما ظنك بولي من الأولياء ؟ فإنه أولى بذلك . وَ الحال أن اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ومن كان كذلك فهو القادر على الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم ، ومن جملة ذلك مضاركم ومنافعكم ، وقيل : إن اللّه هو المستحق للعبادة لأنه يسمع كل شيء ويعلمه وإليه ينحو كلام الزمخشري . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 77 إلى 79 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة نهاهم عن الغلو في دينهم ، وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلهية لعيسى كما يقوله النصارى أو حطه عن مرتبته العلية كما يقوله اليهود ، فإن كل ذلك من الغلو المذموم وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط واختيارهما على طريق الصواب . و غَيْرَ منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أي غلوا غير غلو الْحَقِّ وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه واستخراج حقائقه فليس بمذموم ، وقيل : إن النصب على الاستثناء المتصل وقيل على المنقطع قال قتادة : لا تغلوا أي لا تبتدعوا ، عن ابن زيد قال : كان مما غلوا فيه أن دعوا للّه صاحبة وولدا . وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ جمع هوى وهو ما تدعو شهوة النفس إليه ، قال الشعبي : ما ذكر اللّه تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه ، وقال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر ، لأنه لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال فلان يحب الخير ويريده ، والخطاب لليهود والنصارى الذين كانوا في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم وهو المراد بقوله قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أي قبل البعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والتحية ، والمراد أن أسلافهم ضلوا قبل البعثة بغلوهم في عيسى . وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس إذ ذاك وَضَلُّوا من بعد البعثة إما بأنفسهم أو